تفاجئنا جميعا ليلة الجمعة بزلزال ضرب مجموعة من المناطق داخل وطننا الجريح، وقفنا جميعنا مصدومين من هول الكارثة وفجائيتها، وما زاد من صدمتنا أكثر هو حجم الخسائر وعدد الضحايا، ونداءات الإستغاثة التي لا زالت متواصلة لحدود اللحظة، أيعقل أننا في القرن الحادي والعشرين ولا زلنا غير قادرين على الوصول إلى مناطق وقرى لا زالت تعيش العزلة والتهميش لحدود اللحظة؟ أين هو «المغرب الجديد» كما يسمونه أم هو لازال على حاله بل وأكثر تأخرا بالنسبة للشعب ؟ هل بالفعل المغرب كما يروجون يلتحق بالركب الدولي المتقدم إقتصاديا وإجتماعيا أم أنه مجرد ضيعة يتم التسابق عليها في السوق العالمية ويروح جراؤها ملايين الناس جوعا وفقرا في المدن وفي القرى ، أناس لا يجدون حتى ما يسد رمقهم ، أناس يموتون ببطء ؟؟ هل حقا وطننا الجريح هو للجميع أم هو من نصيب قلة قليلة من البرجوازيين متربعين في الحكم ويمتصون دماء العمال والفلاحين والمعدمين ؟ ما محل أكبر برج في إفريقيا ونحن لا نزال نعيش في منازل طينية متهالكة؟ أمن أجل السياحة منعنا أبناء تلك المناطق من البناء العصري؟ومن يتحمل المسؤولية في هول هاته الفاجعة؟ ألم يكن بالإمكان أن تكون الخسائر أقل؟ هل الكارثة عقاب إلهي كما روج له تجار الدين الذين خرجوا يتشفون في معاناة الشعب المغربي ومأساته بدل تقديم العون والتأكيد على التآخي وحثنا على التضامن في محنتنا هاته؟ كلها أسئلة حارقة نطرحها ونحن على علم مسبق بأجوبتها، ذلك لأننا تجرعنا من مختلف جرعات المآسى والمعاناة، ونعلم جيدا أن سبب معاناة هذا الشعب الأعزل هو النظام القائم ببلادنا الجاثم على صدره قسرا وهذه الكارثة الطبيعية بينت حقا معنى لاشعبيته وبينت أن المستفيد من خيرات البلاد هم ثلة قليلة متوحشة لكن الجماهير الغفيرة في القرى تتذوق عذاب الحياة وآلام الواقع بشكل يومي.
جاءت الفاجعة ومن دون علم مسبق لتعري واقع بلادنا الحقيقي، ذلك الواقع الذي لطالما حاولوا التستر عليه، فهاهي مدينة مراكش وإبان الزلزال خرج العديد من الأشخاص فارين ليس من منازلهم وإنما من البارات والخمارات ودور الدعارة التي أصبحت تغزو المدينة، حيث أصبحت من المدن الرائدة في الترويج للسياحة الجنسية، جاءت الفاجعة ودمرت العديد من المباني ومسحت دواوير بأكملها، لتكون صفعة في وجه النظام الذي يسعى لتنظيم المحافل الدولية من داخل البلاد (الترشح لتنظيم كأس العالم)في حين أنه ولحدود اللحظة لازال العديد من الأشخاص تحت الحطام والركام يطلبون النجدة ولكن تعذر الوصول إليهم لانعدام الطرق والمواصلات في تلك المناطق التي تم تهميشها
عن سبق الإصرار، مناطق يفرض على سكانها بناء منازل طينية لتنمية السياحة، فأصبحت تلك المنازل مقابر لأصحابها، هذا هو المغرب الثاني مغرب الطفلة سلمى بإقليم الحسيمة والتي ماتت بسبب الثلوج التي حاصرت منطقتها لأيام ولم يتم تقديم المساعدة لها لاستحالة الوصول إليها، مغرب الطفلة إيديا ابنة منطقة تنغير نتاج الإهمال وعدم وجود التجهيزات الطبية هناك مما جعلها تقطع مسافة أزيد من 400 كيلومترا من مسقط رأسها إلى مدينة فاس كي تتلقى العلاج الاستعجالي والأولي، لكن المسافة الطويلة كانت كافية لتلفظ ايديا أنفاسها، مغرب الطفل ريان الذي تابعنا جميعا فصول وفاته، نفس المغرب (المنسي) نتابعه اليوم وقد تحول جزء كبير منه إلى حطام وركام وأنقاض، مناطق لحدود اللحظة لا تتوفر على أبسط مقومات الحياة (الماء والكهرباء، الطرق…) ولا زالت محاصرة إلى الآن رغم نداءات الإسغاثة، مغرب آخر غير ذاك الذي نراه في الإذاعات والبرامج وتفاهات قنوات الصرف الصحي ، مغاير تماما لكل ما يتم الترويج له، مغرب منسي (غير نافع لأصحاب رؤوس الأموال) لا يتم تذكره إلا إبان مسرحية الإنتخابات والحاجة للأصوات، مغرب المقاومة المسلحة والتمرد الذي رفض الخضوع للعبودية للإستعمار ولا زالو المستعمرين الجدد يكنون حقدا دفينا لأجدادنا وللمناطق المتمردة…

وأمام كل هذا وهول الفاجعة، وقف شعبنا البطل معبرا عن أسمى أشكال التضامن والإيخاء وها هو اليوم يقدم درسا تاريخيا عظيما إبان محنته هاته رافعا فيها شعار ليس بالبسيط أو الهين (المغرب بشعبه وليس بحكومته) ، وما يلاحظ أيضا أنه حتى إبان حملة التضامن الواسعة التي انطلقت في صفوف شعبنا البطل وقف أعداء الشعب موقفا آخر منها واعتبروها فرصة للمزيد من مراكمة الأرباح، فها هم اليوم تجار المآسي يتاجرون ويستفيدون من الفاجعة، إذ أن شركات المحروقات والتي كان من المفترض أن نراها تقوم بملئ الوقود داخل حافلات المساعدات بالمجان أو على الأقل بثمن رمزي ، أبت إلا أن تحافظ على أسعارها الإحتكارية ناشدة المزيد من مراكمة الثروة على حساب معاناة أبناء الوطن، وها هي أيضا المركبات التجارية (كارفور، مرجان…) تقوم ببيع آلاف السلع لقوافل المتضامنين لكن عوض أن نرى تخفيضات في الأثمان لا زالت تحافض هي أيضا على أسعار سلعها الإحتكارية بل هناك سلع معينة تم الزيادة في أثمانها عن قصد، لنمر أيضا إلى الطرق السيارة بالمغرب (أوتوروت) والتي ترى بأم أعينها عدد الحافلات والشاحنات المملوئة بالمساعدات الذاهبة باتجاه المناطق المنكوبة، لكن عوض نقص ثمن تذاكر المرور اعتبرتها مناسبة هي أيضا للمزيد من نهب جيوب أبناء الشعب، ومن هنا يحق لنا التساؤل أين هي ما تسمى ب « شركات المواطنة » ؟أي دور لها عامة وإبان هاته المحنة؟ الجواب على هاته الأسئلة معروف واستشفه الجميع، هم ناهبي جيوبنا هم تجار مآسينا ومعاناتنا ويجب اقتلاعهم من جذورهم عبر دك بنية هذا النظام الرجعي .
هي الوحدة الأرقى بين الشعب المغربي بكل مكوناته بعيدا عن كل النعرات التي حاولوا تغذيته بها، درس عظيم يقدم الآن بالأخص لأولائك الذين فقدوا الثقة في شعبنا، ها هو يقول أنه شعب مستعد وقادر على التضحية، التضامن والتعاون، شعب معطاء ويعي جيدا أن هنالك ناهبين مسؤولون بشكل أو بآخر عن حجم الخسائر الناتجة عن الزلزال، ها نحن اليوم نرى وبوضوح تام أنه شعب متكاثف وملتحم مع بعضه شعب وبوعيه العفوي يعلم من هم أعدائه، شعب وقف لوحده في محنته مستفيدا من تجاربه ومآسيه السابقة، شعب يصرخ بكل قوته ويقول لا للظلم لا للتهميش لا للقمع…
ونحن يكفينا فخرا أننا جزء من هذا الشعب، الأبناء البررة لوطننا الجريح، حاملين مطامح وآمال وأحلام شعبنا على أكتافنا، نساهم من موقعنا وحسب إمكانياتنا في مسيرة تحرره ، مؤمنين بالإنتصار الحتمي لجماهير شعبنا.«طالب جامعي»